ابن تيمية
70
مجموعة الفتاوى
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَأَمَّا الْآيُ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهَا قَدْ وَصَلَهَا - وَلَمْ يَقْطَعْهَا كَمَا قَطَعَ الْكَلَامَ الَّذِي أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ - فَقَالَ : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } فَأَخْبَرَ بِالْعِلْمِ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَعَ كُلِّ مُنَاجٍ ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِالْعِلْمِ بِقَوْلِهِ : { إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } . فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ وَخَتَمَ بِالْعِلْمِ : فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَعْلَمُهُمْ حَيْثُ كَانُوا ؛ لَا يَخْفُونَ عَلَيْهِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مُنَاجَاتُهُمْ . وَلَوْ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ فِي أَسْفَلُ وَنَاظَرَ إلَيْهِمْ فِي الْعُلُوِّ . فَقَالَ : إنِّي لَمْ أَزَلْ أَرَاكُمْ وَأَعْلَمُ مُنَاجَاتَكُمْ لَكَانَ صَادِقاً - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى أَنْ يُشْبِهَ الْخَلْقَ - فَإِنْ أَبَوْا إلَّا ظَاهِرَ التِّلَاوَةِ وَقَالُوا : هَذَا مِنْكُمْ دَعْوَى خَرَجُوا عَنْ قَوْلِهِمْ فِي ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ ؛ لِأَنَّ مَنْ هُوَ مَعَ الِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرُ ؛ هُوَ مَعَهُمْ لَا فِيهِمْ وَمَنْ كَانَ مَعَ شَيْءٍ خَلَا جِسْمِهِ وَهَذَا خُرُوجٌ مِنْ قَوْلِهِمْ . وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } لِأَنَّ مَا قَرُبَ مِن الشَّيْءِ لَيْسَ هُوَ فِي الشَّيْءِ فَفِي ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ عَلَى دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَبْلِ الْوَرِيدِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إلَهٌ } لَمْ يَقُلْ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ قَطَعَ - كَمَا قَالَ : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } ثُمَّ قَطَعَ فَقَالَ : { أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ } - فَقَالَ : { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ } يَعْنِي إلَهَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَإِلَهَ أَهْلِ الْأَرْضِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي " اللُّغَةِ " تَقُولُ : فُلَانٌ أَمِيرٌ فِي خُرَاسَانَ وَأَمِيرٌ فِي بلخ وَأَمِيرٌ فِي سَمَرْقَنْدَ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَيَخْفَى عَلَيْهِ مَا وَرَاؤُهُ فَكَيْفَ الْعَالِي فَوْقَ الْأَشْيَاءِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن الأَشْيَاءِ يُدَبِّرُهُ فَهُوَ إلَهٌ فِيهِمَا